الشنقيطي

97

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

وعلى هذا القول فقد أسند الاستغفار إلى مجموع أهل مكة الصادق بخصوص المؤمنين منهم ، ونظير الآية عليه قوله تعالى : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ [ الأعراف : 77 ] مع أن العاقر واحد منهم بدليل قوله تعالى : فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ [ القمر : 29 ] وقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : 15 - 16 ] . أي جعل القمر في مجموعهن الصادق بخصوص السماء التي فيها القمر ، لأنه لم يجعل في كل سماء قمرا ، وقوله تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [ الأنعام : 130 ] أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس على الأصح ، إذ ليس من الجن رسل . وأما تمثيل كثير من العلماء لإطلاق المجموع مرادا بعضه بقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 22 ] زاعمين أن معنى قوله منهما : أي من مجموعهما الصادق بخصوص البحر الملح ، لأن العذب لا يخرج منه لؤلؤ ولا مرجان ، فهو قول باطل بنص القرآن العظيم . فقد صرح تعالى باستخراج اللؤلؤ والمرجان من البحرين كليهما حيث قال : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [ فاطر : 12 ] . فقوله تعالى : ومن كل ، نص صريح في إرادة العذب والملح معا ، وقوله حِلْيَةً تَلْبَسُونَها هي اللؤلؤ والمرجان . وعلى هذا القول فالعذاب الدنيوي يدفعه اللّه عنهم باستغفار المؤمنين الكائنين بين أظهرهم ، وقوله تعالى : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [ الأنفال : 34 ] . أي بعد خروج المؤمنين الذين كان استغفارهم سببا لدفع العذاب الدنيوي ، فبعد خروجهم عذب اللّه أهل مكة في الدنيا بأن سلط عليهم رسوله صلى اللّه عليه وسلم حتى فتح مكة ، ويدل لكونه تعالى يدفع العذاب الدنيوي عن الكفار بسبب وجود المسلمين بين أظهرهم ما وقع في صلح الحديبية كما بينه تعالى بقوله : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ الفتح : 25 ] . فقوله : لو تزيلوا أي لو تزيل الكفار من المسلمين لعذبنا الكفار بتسليط المسلمين